ملا محمد مهدي النراقي
315
جامع السعادات
تركه ، فكيف يرتضي ذلك لنفسه في الخلوة ؟ ثم تحسينها في الخلوة أيضا بقصد التسوية بين الخلوة والملأ ، وهذا من الرياء الغامض ، لأنه حسن عبادته في الخلوة ليحسنها في الملأ ، فلا يكون فرق بينهما في التفاته فيهما إلى الخلق ، إذ الإخلاص الواقعي أن تكون مشاهدة الخلق لعبادته كمشاهدة البهائم لها ، من دون تفاوت أصلا ، فكأن نفسه لا تسمع بإساءة العبادة بين أظهر الناس ، ثم يستحي من نفسه أن يكون في صورة المرائين ، ويظن أن ذلك يزول باستواء عبادته في الخلوة والملأ ، وليس كما ظنه ، إذ زوال ذلك موقوف على عدم التفاته إلى الخلق في الملأ والخلوة كما لا يلتفت إلى الجمادات فيهما مع أنه مشغول الهم بالخلق فيهما جميعا . وأخفاها أن يقول له الشيطان - وهو في العبادة في الملأ بعد يأسه عن المكائد السابقة - : " أنت واقف بين يدي الله سبحانه ، فتفكر في جلاله وعظمته ، واستحى من أن ينظر إلى قلبك وهو غافل عنه ! فيحضر بذلك قلبه وتخشع جوارحه " . وهذا أخفى مكائد الشيطان وخداعه ، ولو كانت هذه الخطرة ناشئة عن الإخلاص لما انفكت عنه في الخلوة ولم يخص خطورها بحالة حضور غيره ، وعلامة الأمن من هذه الآفة : أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ ، ولا يكون حضور الغير سببا لحضوره ، كما لا يكون حضور بهيمة سببا له ، فما دام العبد يفرق في أحواله وأعماله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة ، فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص مدنس الباطن بالشرك الخفي من الرياء ، وهذا الشكر أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، كما ورد به الخبر ولا يسلم منه إلا من عصمه الله يخفي لطفه ، إذ الشيطان ملازم للمتشمرين لعبادة الله ، لا يغفل عنهم لحظة ليحملهم على الرياء في كل واحد من أفعالهم وأعمالهم . تتميم الحق - كما أشير إليه - أن الشوب الممزوج بالاخلاص إن كان من المقاصد الصحيحة الراجحة شرعا ، لم يبطل العمل والاخلاص ولم ينقص الأجر والثواب . إذ نية الخيرات المتعددة توجب تضاعف الثواب بحسبها